اخر الأخبار :
الصفحة الرئيسية » تربية وتعليم
نشر بتـاريخ : 2012-12-18 السـاعة : 01:09 PM
ظاهرة العنف عند الأطفال
ظاهرة العنف عند الأطفال

د. عبدالله رمضاني - أكاديمي مغربي

موقع هسا :- الأصل في الأطفال الفطرة والبراءة، ولكن استعداد الإنسان لقبول الطباع السيئة قد يجعل من السلوك العدواني في أسوأ حالاته قنبلة موقوتة إذا حان أوان انفجارها تضررت الأسر الآمنة. 0734_opt.jpeg

وسلوك العنف هو هجوم ليس له مبرر وفيه ضرر للنفس أو الناس أو الممتلكات والبيئة والطبيعة وقد يكون العنف لفظيًّا أو عمليًّا.

ومما يؤسف له، أننا أصبحنا نلحظ أن هذا السلوك الغريب قد استشرى بين صفوف الأطفال في مختلف سنوات أعمارهم سواء داخل البيت أو خارجه.. ولعل هذا ما جعلنا نتوقف عند هذه الظاهرة السلبية وغير الصحية محاولين تلمس أسبابها ودوافعها، وفي الوقت نفسه، باذلين جهدنا لإيجاد بعض الوسائل القمينة لعلاج هذه الظاهرة الخطيرة.

مفهـوم العنــف

العنف لغة ضد الرفق ويراد به الشدة والخرق. قال ابن منظور في لسان العرب حول تعريف العنف: الخرق بالأمر وقلة الرفق به، وهو ضد الرفق. يقال عنف به وعليه يعنف عنفا وعنافة وأعنفه وعنّفه تعنيفا، وهو عنيف إذا لم يكن رفيقا في أمره..

وأما العنف اصطلاحًا: فقد نجده يختلف باختلاف التخصصات، فلدى علماء النفس والاجتماع يختلف تعريف العنف عنه لدى علماء السياسة والقانون وعلم الإجرام والانثربولوجي، لذا فهو مقرون بالوضعية والظروف المحيطة به.

ويُعرف مصطلح العنف من الناحية النفسية بأنه: السلوك المشوب بالقسوة والعدوان والقهر والإكراه، وهو عادة سلوك بعيد عن التحضر والتمدن، تستثمر فيه الدوافع والطاقات العدوانية استثمارًا صريحًا بدنيًّا كالضرب والقتل والتكسير والتدمير للممتلكات واستخدام القوة لإكراه الخصم وقهره.

ومن الناحية القانونية يُعرّف مصطلح العنف بأنه: سلوك يصدره الفرد بهدف إلحاق الأذى أو الضرر بفرد آخر يحاول أن يتجنب هذا الإيذاء سواءً كان بدنيًّا أو لفظيًّا تم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ماديًّا أو معنويًّا.

وتشير الموسوعة العلمية (Universals) أن مفهوم العنف يعني كل فعل يمارس من طرف جماعة أو فرد ضد أفراد آخرين عن طريق التعنيف قولًا أو فعلًا، وهو فعل عنيف يجسد القوة المادية من خلال ممارسة القوة الجسدية بالضرب والقتل، أو يجسم القوة المعنوية من خلال تعمد الإهانة المعنوية لشخص ما بالسباب أو التجريح أو الإهانة.

بينما يؤكد قاموس راندوم هاوس (Hause dictionary Random)  أن مفهوم العنف يتضمن ثلاث مفاهيم فرعية هي: الشدة والإيذاء والقوة المادية.

وعليه، يمكن تعريف العنف بأنه: كل تصرف يؤدي إلى إلحاق الأذى بالآخرين، وسواء كان هذا العنف جسديًّا أو نفسيًّا، ولا فرق في ذلك بين أن يكون فعل العنف والإيذاء على المستوى الفردي أو المستوى الجماعي، وهو سلوك إيذائي مدمر، قوامه ومرتكزه إنكار الآخر ورفضه وعدم احترامه.

دوافع العنـف

تؤكد الدراسات النفسية والاجتماعية الحديثة أن هناك أمورًا تنمي وتدفع بهذا الطفل للقيام بهذه التصرفات الغريبة وغير الطبيعية التي تجمع تحت عنوان العنف عند الأطفال. ولعل من أبرز هذه الدوافع ما يلي:

1- البيت:

يأتي البيت في مقدمة الأسباب التي أدت إلى بروز هذه الظاهرة في المجتمع، فالطفل الذي ينشأ في جو أسري يسوده الصراع والفوضى، وعدم الأمان، وافتقاد الحب، وعدم الاستقرار والتفاهم، ومعاملة الطفل على أساس أنه راشد معزول عن المشاعر والأحاسيس، فهو أبدًا لا يعرف أي شيء، ويخضع دائما لخطاب عمودي، واقع تحت سلطة أبوية قاهرة غير متفهمة ومستوعبة لحاجياته النفسية والاجتماعية، رأيه مرفوض ابتداء، أفكاره لا تسمع، اقتراحاته منبوذة سلفا، موقفه تبعي فقط، يُمنع دائمًا من التعبير عن غضبه، محبط ومكبوت، واحتياجاته لم تشبع حبًّا ورعاية وفهمًا، وفي بعض الأحيان يشعر بعدم المساواة في المعاملة بين إخوته وتقسيم الاهتمام والحب بينهم.. لم يعد الطفل في ظل هذا الجو الأسري البغيض إليه إلا خشبة مسندة.. ترى كيف سيصبح الطفل فيما بعد؟ كل ذلك سيختمر في نفسه ووجدانه، وسيتحول بعد ذلك إلى كائن عدواني، يجد لنفسه العزاء في ذلك، ويفرغ فيه كل مكبوتاته النفسية والاجتماعية.

2- المؤسسات التربوية والتعليمية:

يلتحق الطفل بالمدرسة ومعه حصيلة من المفردات الجديدة التي استقاها من البيت، ثم يدخل فضاءً جديدًا لم يعهده من قبل.. داخل هذا الفضاء الجديد تراه يعامل معاملة لا تستجيب وتكوينه الذهني والبيولوجي والنفسي الفتي، فالأسلوب التربوي الذي يمارسه المدرس أو المربي يتسم بالغلظة والقسوة، وأحيانًا يلجأ إلى استعمال ألفاظ هجينة ومفردات تجريحية تنال من ذاتية الطفل، وقد يتعدى الأمر إلى الضرب لأبسط وأتفه الأشياء.. لم يكن الطفل يتوقع أن هذا الأسلوب التربوي العنيف سيصاحبه حتى هذا الفضاء، إذ لدينا من المدرسين والمربين الذين مازالوا يعتقدون أن العنف وفرض الهيمنة والسلطة هو الكفيل الوحيد بتقويم الاعوجاج السلوكي والفكري لدى الطفل، ففي نظرهم أن الطفل في مراحله الأولى يجب أخذه بشدة وقوة حتى لا يتهاون فينكسر عوده، وتثبط عزيمته، ويتحول إلى عضو سلبي في المجتمع.

في خضم هذا الجو التربوي القاتم تتلقح بذرة العنف في نفسية الطفل، وتبدأ في التفتح والنمو، وتصبح له قابلية كبيرة إلى تحويل هذا السلوك غير التربوي إلى ممارسة عدوانية تعكسها تصرفات وأنماط سلوكه، وعلى إعادة إنتاج السلوك نفسه في حياته العامة، فيصبح العنف بالنسبة له حينئذ هو المرادف الطبيعي للشخصية الفاعلة والوازنة في المجتمع، فممارسة العنف تعني بشكل أوتوماتيكي إثبات الذات وتقرير وجودها، وهذا في تقدير علماء التربية وعلم النفس استنتاج خطير يتوصل إليه الطفل، وهو إن تمكن منه يصير في ضوئه كائنًا عدوانيًّا في أبشع صورة.

3- الإعلام:

ونقتصر هنا على القنوات الفضائية ودورها في تكريس هذه الظاهرة لدى الأطفال.

تشكل القنوات الفضائية وسيلة خطيرة للتثقيف والإعلام والترفيه، ولا تحتل هذه المنزلة بالنسبة للكبار فحسب، بل إنها تحتلها في المقام الأول بالنسبة للأطفال أيضًا، فإن مشاهدتها عبر جهاز التلفاز لدى الطفل نوع من السلوك يستغرق فيه لإرضاء حاجاته النفسية، ويجد فيها ما يعينه على الهرب من الصراع النفسي والشعور بالفشل الذي يحس به في عالم الواقع، أو ربما يجد في برامجه بعض العون أو فكرة صائبة لحل مشاكله.

إن ما تعرضه القنوات الفضائية في وقتنا الحاضر من برامج ومواد إعلامية مختلفة، أفلام ومسلسلات حتى بعض الإنتاجات الإعلامية التي تكون معدة للأطفال شكل خاص لا تخلو كلها من فيروس العنف، وقد يكون لذلك تأثير سلبي في حياة أطفالنا، إذ من المحتمل أن يختاروا من البرامج والتمثيليات وأفلام المغامرات وغيرها كثيرًا من قصص الجريمة، وبالتالي قد يتعلم الأطفال الجريمة والعنف من القصص المثيرة، ويكون لهم استعداد أكثر من غيرهم للقيام بأعمال العنف الجسمانية، كالضرب والركل، وأن يعبروا عن مشاعرهم بصراحة، ويفضلون تقمص الشخصيات الناجحة التي يرونها في الخيال، ويميلون إلى تقليدها سواء كانت شريرة أو تعمل في جانب الخير.

إن بعض الأطفال الصغار، وقليل من الكبار، يخلطون بين عالم الواقع وعالم الخيال، ويقلدون الأعمال العدائية التي يرونها على الشاشة في تصرفاتهم العادية في الحياة، وكثيرة هي الحالات التي أدت بالأطفال لإيذاء أنفسهم، بل تطور الأمر في بعض الحالات إلى فقدان الحياة، كما حدث بإحدى المدن المغربية من جريمة قتل قام بها ثلاثة أطفال قاصرين، وقد روع هذا الحادث الخطير أهالي المدينة وسائر المدن.. إذ أقدم ثلاثة أطفال صغار على تشخيص تمثيلية، يقوم أحدهم بدور القاضي، والثاني بدور المدعي العام، والأخير تقمص دور المتهم، وتداولت المحكمة الافتراضية قضية المتهم، فحكمت عليه بالإعدام شنقا، وبالتالي ما كان عليهم إلا أن ينفذوا الحكم، وكان الحادث المفجع، فرأوا الطفل المتهم معلقا على غصن شجرة، ظن الطفلان أنه يقوم بتمويه الموقف فحسب، لكن لما حركوه وجدوه ميتًا حقًّا، ففروا ذعرًا لما رأوا. وكما حدث أيضا في مصر حيث قام أحد الأطفال بتقليد شخصية «سوبرمان» ثم قفز من الطابق التاسع ليفقد حياته.

انظر كيف تحولت اللعبة إلى جريمة قتل لدى الأطفال! من أين لهم هذا السلوك العدواني لو لم يروا مثله على إحدى القنوات الفضائية؟!

والغريب في الأمر أن القنوات المخصصة للأطفال لم تسلم من هذا الداء العضال، إذ الطفل لم يعد يرى إلا أجسادًا صرعى، وحمامات من الدماء، هنا وهناك، وترسخ في أذهان الأطفال مفهوم «القوة للأقوى»، وإذا نظرنا نظرة متفحصة إلى الرسوم المتحركة المقدمة لأطفالنا، مثلا، نستطيع اكتشاف تقصيرنا الكبير في استخدام هذا الفن الخطير؛ فمعظم أفلام الكرتون والصور المتحركة المقدمة لأطفالنا أفلام أميركية أو غربية الصنع والهوية، وصممت لأطفال غير أطفالنا، وبعقلية غير عقليتهم، وتشجع عادات وأخلاقًا تتنافى مع أخلاقنا.

إن الطفل، كما يرى علماء النفس، يستشعر بحكم تكوينه الجسماني والعقلي أنه ضعيف وصغير، ولديه قدرة محدودة على التحكم بالبيئة الخارجية؛ لذا فهو يستمتع، ويشبع رغبته، ويطلق لخياله العنان في الحصول على هذه القوة من خلال التوحد اللاشعوري بما يشاهده من النماذج الشخصية التي تعكس مظاهر القوة البدنية والعقلية للبطل الذي لابد أن ينتصر على الآخرين.

فأي نشء نريد أن نربي ونكوّن ونبني أمام هذا المشهد الرهيب؟

4- المجتمع:

يعتبر المجتمع نموذجا مكبرا للبيت، فإذا كانت الأسرة تهمل تربية أبنائها وأطفالها، ولا تعترف بحق طفولتهم، وتقسو عليهم، وتغلظ في معاملتهم، فإذا كان الأمر كذلك، هل سيكون المجتمع أرحم عليهم من بيوتهم وآبائهم وأمهاتهم، إن المجتمع سيعمل على تكريس الوضع، وسيرسخ ظواهره السلبية، وربما قد يزيد الطين بلة، فيأتي بألوان أخرى جديدة من العدوانية.

وفي هذا السياق، يلاحظ أن شوارعنا العربية والإسلامية قد تسربت إليها أنماط سلوكية غريبة وغير مألوفة، فعششت فيها وأفرخت، وأصبحنا نرى أطفالنا يقتفون، بوعي أو بغير وعي، أثرها إذ أصبحت في نظرهم تمثل عنصرًا أساسيًّا في تكوين شخصيتهم، وإثبات ذواتهم، فالكبار يقدمون لهم دروسًا في الشتم والسب والمطاحنة والخصومة والصراع والضرب والتحقير والسخرية والهمز والنبذ، وكل أنواع الملاسنة البذيئة والممارسة الدنيئة.

في ظل هذا الجو المكفهر، ترى كيف سينجو الطفل من براثن هذه النزعة العدائية والعدوانية؟

إن هذه النزعة المرضية تتخلق شيئا فشيئا عند الطفل، بعد ذلك تصير لديه عادة، ثم يبدأ يرى كل من حوله يكنّ له العداء والضغينة، ويتوعده شرًّا وأذى، لذا يصبح لزامًا عليه أن يردّ عليهم بجنس العمل أو أكثر، وأن يكشر عن أنيابه استعدادا للانقضاض عليهم قبل أن يفتكوا به افتراضا منه.

لقد تحولت براءة نفس الطفل إلى لظى مستعرة تأتي على الأخضر واليابس، وهذا ما يحزّ في صدورنا أن نرى أطفالنا فلذات أكبادنا على هذه الشاكلة، وعلى هذه الحالة، إنها حالة مأساوية مزرية تنذر بالخطر الهالك.

بعض الحلول المقترحة

لعلاج هذه الظاهرة السلبية لابد لنا من محاصرتها أولا، ثم يسهم الجميع، بنية صادقة وكلّ حسب موقعه، في وضع مخططات وبرامج تربوية وتعليمية واجتماعية وإعلامية وسياسية تستهدف هذه الظاهرة، كما يجب أن تتوافر إرادة سياسية تدعم وتقوي عضد هذه المخططات والبرامج الإصلاحية حتى تعطي ثمارها، وتؤتي أكلها.

فإذا أعددنا لهؤلاء الأطفال منبتًا طيبًا، وبيتًا طاهرًا وفاضلًا ومتفهمًا وواعيًا، ومتحليًّا بالأخلاق الحميدة والقدوة الحسنة، وأعددنا لهم مؤسسات تعليمية وتربوية رائدة تشتمل على أطر ذات كفاءة علمية وخلقية، وجعلنا شوارعنا تعمها الفضيلة، ويسودها السلام، وأسهمنا في بناء مجتمع يقوم على مكارم الأخلاق، تسود بين أفراده روح التعاون والتضامن، وتربطهم جميعا أواصر الحنفية السمحة، وننتقي لهم قنوات فضائية هادفة وبناءة تسهم في إرساء دعائم الأخلاق، وتهذب طباعهم، وتصقل أرواحهم، وتحبب لهم كل أسباب الخير، وتجعلهم يمقتون كل دواعي الشر، وتغرس في قلوبهم ما يقوي حبهم للآخرين، وما يمنعهم من التطاول والاعتداء على حقوق أمثالهم أو غيرهم.. إذا هيأنا لهم هذا كله- أي ثقافة مناقضة ثقافة العنف- فإننا سنفلح في تحصين أطفالنا وحمايتهم من كل الظواهر السلبية السافلة، ويكونون خير خلف لخير سلف.

إن القضاء على هذه الظاهرة، ظاهرة العنف، رهينة بتسخير كل الوسائل المتاحة، وإشراك كل الفاعلين التربويين والاجتماعيين وكل مؤسسات المجتمع المدني أفرادًا وجماعات، مع وجود إرادة سياسية غيورة وحريصة على براءة الأطفال باعتبارهم رجال الغد وأمل المستقبل، لأن سلامة أطفالنا عقليًّا ونفسيًّا وجسديًّا وسلوكيًّا تعني سلامة وصحة مجتمعنا وأمتنا، ولن نجني الثمار إذا لم نحافظ على النبتة ونرعاها في مراحلها الأولى، ولن يصلح آخر هذا الأمر إلا إذا صلح أوله.

أضف تعليقك ..
الإسـم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
تبقى لديك ()
جاري ارسال التعليق ..
لقد تم استقبال تعليقك بنجاح! سوف يتم عرضه بعد التأكد من مطابقته لشروط وقوانين المشاركات.
ملاحظة: يحتفظ الموقع بحق حذف التعليقات التي يعتبرها مخالفة للتعليمات الخاصّة بالتعليقات.